فصل: تفسير الآيات (1- 8):

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: التفسير القرآني للقرآن



.سورة القصص:

نزولها: مكية، باتفاق.
عدد آياتها: ثمان وثمانون.. بلا خلاف.
عدد كلماتها: ألف وأربعمائة، وواحدة.
عدد حروفها: خمسة آلاف، وثمانمائة حرف.
مناسبة السورة لما قبلها:
جاء في سورة الشعراء، ثم في سورة النمل، السابقتين على هذه السورة- حديث موجز عن موسى وفرعون.
فقد جاء في الشعراء قول فرعون لموسى: {أَلَمْ نُرَبِّكَ فِينا وَلِيداً وَلَبِثْتَ فِينا مِنْ عُمُرِكَ سِنِينَ وَفَعَلْتَ فَعْلَتَكَ الَّتِي فَعَلْتَ وَأَنْتَ مِنَ الْكافِرِينَ} [18- 19: الشعراء] وجاء في هذه السورة- القصص- بيان مفصّل لهذه الفترة من حياة موسى، تحدّثت عن مولده، وإلقائه في اليم، والنقاط آل فرعون له، ونشأته في بيت فرعون تمنّى له.. ثم قتله المصري، ثم فراره إلى مدين.. وهذه الأحداث كلّها قد طويت طيّا في الآيتين السابقتين من سورة الشعراء وجاء في سورة النمل: {إِذْ قالَ مُوسى لِأَهْلِهِ إِنِّي آنَسْتُ ناراً سَآتِيكُمْ مِنْها بِخَبَرٍ أَوْ آتِيكُمْ بِشِهابٍ قَبَسٍ لَعَلَّكُمْ تَصْطَلُونَ} [7] ولم يذكر فيها من هم أهله؟ ومن أين جاءوا؟ وما وجهتهم معه؟.
فجاء في سورة القصص.. فرار موسى إلى أرض مدين، ولقاؤه شعيبا، وتزوّجه بإحدى ابنتيه اللتين لقيهما على ماء مدين، وسقى لهما... كما سنرى ذلك مفصلا في هذه السورة.
بسم اللّه الرّحمن الرحيم.

.تفسير الآيات (1- 8):

{طسم (1) تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ (2) نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ (6) وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ (7) فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ (8)}.
التفسير:
{طسم} مبتدأ، وخبره {تِلْكَ آياتُ الْكِتابِ الْمُبِينِ}.
فهذه الآيات البينة التي ضم عليها هذا الكتاب المبين، هي هدى ورحمة للمؤمنين، يرون فيها، وعلى أضوائها، وجه الحق، فتتجه عقولهم إليه، وتتفتح قلوبهم له.. أما من ختم اللّه على قلوبهم وسمعهم، وجعل على أبصارهم غشاوة من أهل الشّقوة- فإن آيات اللّه البينة الواضحة، تستغلق عليهم، فلا تقع في آذانهم، ولا تمر على عقولهم وقلوبهم إلا كما تمر هذه الحروف {طسم} وأمثالها، مما هو أصوات، لا ينتظم منها معنى، إلا عند الراسخين في العلم.
قوله تعالى: {نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ}.
أي من آيات هذا الكتاب المبين، نتلو عليك هذه الأنباء، مما كان بين موسى وفرعون، منزّلة من عالم الحق، بالحق.. {لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ} أي مستعدون بفطرتهم للإيمان، متقبلون للحق، إذا بانت لهم دلائله، ووضحت لهم سبيله.
وفي قوله تعالى: {نَتْلُوا عَلَيْكَ} بإسناد الفعل إلى اللّه سبحانه وتعالى، مع أن الذي يتلو هذه الآيات على النبي، هو جبريل- في هذا تكريم للنبى، وإدناء له من ربه، الذي يتلو عليه هذه الآيات.
قوله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَها شِيَعاً يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ}.
هو ابتداء بما يتلى من نبأ موسى وفرعون.
وقد بدئ بالحديث عن فرعون، فكشف عن شخصه الذي يكشف عن إنسان يلبس ثوب الجبروت والطغيان.. فقد علا في الأرض، وجعل الناس شيعا، وهم أمة واحدة، من طينة واحدة.. فهو بعلوّه واستكباره قد انعزل عن الناس، فكان رأسا، وكان الناس جميعا أرجلا!! كان سيدا، وأصبح الناس كلهم في سلطانه عبيدا.. كان إلها، وصار الناس له مألوهين.
ثم إنه بعمله هذا قد صنف الناس أصنافا، ورتبهم طبقات.. وبذلك تسلطت كل طبقة على من هي تحتها.. وبذلك أغرى الناس بالناس، وشغل بعضهم ببعض!.
وقوله تعالى: {يَسْتَضْعِفُ طائِفَةً مِنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْناءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِساءَهُمْ} المراد بالطائفة هنا هم بنو إسرائيل.. وإذا كان فرعون قد استضعف الناس جميعا ممن هم تحت سلطانه، فإنه بالغ في استضعاف هذه الجماعة، وأخذها بالبأساء والضراء.. فهو يذبح أبناءهم، حتى يقطع نسلهم، ويستحيى نساءهم، أي يمتهنهن، ويفضح سرهن، فلا يرعى لهن حرمة، ولا يبقى لهن على حياء!.
وقوله تعالى: {إِنَّهُ كانَ مِنَ الْمُفْسِدِينَ} هو الوصف الجامع لمساوي فرعون- إنه لا يفعل إلا ما كان من واردات الفساد.. فهو كيان فاسد، لا يصدر عنه إلا ما هو فاسد.
قوله تعالى: {وَنُرِيدُ أَنْ نَمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الْأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الْوارِثِينَ وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ}.
هو معطوف على إرادة لفرعون، التي كان يقصد إليها من وراء هذا الإدلال للناس، وما يأخذهم به من ذبح الأبناء، واستحياء النساء، وهو التمكين لسلطانه، وازدياد هذا السلطان علوا، بازدياد الناس من تحته نزولا وانحدارا.. فهو يريد هذا، واللّه سبحانه يريد أن يمن على هؤلاء المستضعفين.
وإرادة اللّه هي الغالبة.
وهذا هو بعض السر في قوله تعالى: {وَنُرِيدُ} يتعلق الفعل بالمستقبل، مع أن إرادة اللّه قديمة أزلية.. ولكنهاهنا إرادة خالقة، قد جاء أوان إمضائها على الوجه الذي أراده سبحانه.. إنها تصدم إرادة فرعون الذي يريد بها إذلال تلك الجماعة، واللّه يريد خلاصها من يده، والمنّ عليها بالتحرر من هذا الأسر.
والمنّ: التفضل والإحسان ابتداء من غير مقابل.
والأئمة: القادة، الذين يكونون أمام غيرهم.
وقوله تعالى: {وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ} أي نثبت لهم مكانا فيها.
وقوله تعالى: {وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما مِنْهُمْ ما كانُوا يَحْذَرُونَ} أي نفسد على فرعون تدبيره، ونبطل كيده، فيما قصد إليه من وراء بغيه وعدوانه.. فمن هذه الجهة التي كان يعمل على القضاء عليها، خوفا على سلطانه- من هذه الجهة سيطلع عليه ما يذهب بسلطانه، ويقضى عليه هو ومن معه.! حتى لكأنما يريد إهلاك نفسه عمدا!.
و{هامان} هو اليد العاملة لفرعون، فيما يشاء.. وقد يكون وزيرا لفرعون، أو مستشارا له، أو كبير جنده.. وهو الذي دعاه فرعون إلى أن يبنى له صرحا يطلع منه إلى إله موسى.
وفي هذا يقول اللّه تعالى: {وَقالَ فِرْعَوْنُ يا هامانُ ابْنِ لِي صَرْحاً لَعَلِّي أَبْلُغُ الْأَسْبابَ أَسْبابَ السَّماواتِ فَأَطَّلِعَ إِلى إِلهِ مُوسى} [36- 37: غافر] قوله تعالى: {وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ}.
فى هذه الآية والآيات التي بعدها، يكشف اللّه سبحانه وتعالى عن الأسباب التي يقيمها سبحانه، لتمضى بها إرادته، وتتحقق مشيئته.
وإذا كان اللّه سبحانه وتعالى في غنى عن هذه الأسباب التي تتصل بالمسببات، حيث يقول للشيء {كن} فيكون- فإنه سبحانه، يرينا بهذا التدبير أن هناك أسبابا يتوسل بها إلى المسببات، وأن علينا أن نأخذ كل أمر بأسبابه التي تقع في حسابنا وتقديرنا.
وأول سبب من تلك الأسباب التي تقع بها إرادة اللّه في فرعون، هو ميلاد موسى، الذي سيكون على يده هلاك فرعون.! فهذا هو السبب الأول الذي ستدور عليه الأسباب المؤدية إلى هلاك فرعون!.
وحين ولد موسى، كان فرعون يمضى حكمه في أبناء بني إسرائيل، فيترصد جنوده لكل مولود ذكر ليذبحوه.
وقد أوحى اللّه سبحانه إلى أم موسى أن تمسك وليدها، وأن ترضعه، أي تتولى إرضاعه من لبنها، لا أن تدعه لمرضع غيرها، وذلك لأمر سيتضح فيما بعد، حين يقع الوليد في يد امرأة فرعون، فتلتمس له المراضع، فلا يقبل غير الثدي الذي رضع منه، أول رضعات، وهو ثدى أمه.. وبذلك يجتمع الوليد وأمه، لنمضى الأسباب إلى غاياتها.
وقد يكون الوحى المشار إليه هنا، هو إلهام من اللّه سبحانه وتعالى، فوقع في تفكير أم موسى أن تصنع هذا الصنيع. وأن تحتال هذه الحيلة، وأن تغامر تلك المغامرة، فهى على ما بها من خطر يتهدد الوليد، فإنها فرارا بهذا الوليد من هلاك محقق، تدبر له هذا التدبير.. وقد ينجو الوليد وقد يهلك بهذا التدبير الذي دبرته، فإن نجا، فهذا ما ترجوه، وإن هلك فموته غرقا بعيدا عنها، أهون عليها من أن يذبح بين يديها!.
وقوله تعالى: {فَإِذا خِفْتِ عَلَيْهِ فَأَلْقِيهِ فِي الْيَمِّ} أي أمسكيه عندك، وأرضعيه، حتى إذا استشعرت خوفا من فرعون أن يصل إليه فألقيه في اليم، أي النهر، وهو نهر النيل.
وقوله تعالى: {وَلا تَخافِي وَلا تَحْزَنِي إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} تطمين لأم الوليد، وتسكين لمخاوفها التي تطل عليها من إلقائه في اليم.. فهى إذ تستمع إلى هذا الوعد من رب العالمين، تدفع بابنها إلى اليم، في غير تردد، هذا إذا كان الأمر وحيا مباشرا، أما إذا كان إلهاما، فتكون هذه الأوامر الموجهة إليها، خواطر قد جرت في تفكيرها، ثم ألزمت نفسها بها، وأقامت أمرها عليها.. فكأنها أوامر صادرة إليها من جهة عليا، لا تستطيع لها خلافا.
إنها القدر الذي يسير الإنسان، ويحدد خطواته، ويقيم وجهه على هذا الأمر أو ذاك.. وقد هداها إيمانها باللّه إلى هذا الاطمئنان.
قوله تعالى: {فَالْتَقَطَهُ آلُ فِرْعَوْنَ لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ}.
وتتحرك الأسباب إلى غايتها، خطوة خطوة.. فهذا موسى الوليد ينتقل من يد أمه إلى صدر النهر، ثم ينتقل من صدر النهر إلى بيت فرعون.. وهكذا يمضى القدر في طريقه، لا يدرى الناس من أمره شيئا، حتى ليربّى فرعون في حجره، العدوّ الذي كان يطلبه! وهذا ما يشير إليه قوله تعالى: {لِيَكُونَ لَهُمْ عَدُوًّا وَحَزَناً}.
فهو لم يلتقط حين التقط ليكون لفرعون عدوا وحزنا، وإنما التقطه آل فرعون ليكون لهم قرة عين، كما تقول امرأة فرعون: {لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} ولكنّ للقدر طريقا غير هذا الطريق.. لقد أراد فرعون أمرا، وأراد اللّه أمرا، ولا مرد لما أراد اللّه.
وقوله تعالى: {إِنَّ فِرْعَوْنَ وَهامانَ وَجُنُودَهُما كانُوا خاطِئِينَ}.
يجوز أن يكون وصفهم بالخاطئين، من الخطأ وهو ضد الصواب.. بمعنى أنهم كانوا في جهل وعمى عما ينكشف عن هذا الأمر الذي فعلوه بأيديهم.. وفي هذا ما يكذب ادعاء فرعون للألوهية، ويكشف زيف هذا الادعاء.. فلو أنه كان إلها، لما اختار من بين المواليد كلها هذا الوليد الذي يكون على يديه هلاكه، وموته على تلك الميتة الشنعاء! وإما أن يكون هذا الوصف من الخطء والخطيئة- ويكون هذا الوصف تعليلا لما أخذهم اللّه به من هذا التدبير الذي يوردهم موارد الهلاك.

.تفسير الآيات (9- 14):

{وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (9) وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ (10) وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ (11) وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ (12) فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ (13) وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ (14)}.
التفسير:
قوله تعالى: {وَقالَتِ امْرَأَتُ فِرْعَوْنَ قُرَّتُ عَيْنٍ لِي وَلَكَ لا تَقْتُلُوهُ عَسى أَنْ يَنْفَعَنا أَوْ نَتَّخِذَهُ وَلَداً وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ}.
وتتحرك أحداث القدر إلى غاياتها، وها هو ذا الوليد بين يدى فرعون.
إنه الوليد الذي يطلبه ذبحا ممن يذبح من أبناء إسرائيل.. فالطفل إسرائيلى بلا ريب.. إذ ما من أم تلقى بابنها في اليم، إلا أن تكون من الإسرائيليات، فرارا به من موت محقق إلى موت محتمل.. إذ ربما يلتقطه رجل أو امرأة ممن لا يعنيهم أمر فرعون، من الصيادين، أو الفلاحين، فيجد الطفل من يربّيه ابنا، أو عبدا!! هكذا كانت نظرة فرعون والملأ حوله إلى هذا الوليد.. إنه إسرائيلى.. وإذن فليذبح كما ذبح ويذبح أبناء جنسه.. ولكن القدر يحرك سببا، فيفسد على فرعون وملائه هذا الرأى، حيث تتطلع امرأة فرعون إلى الوليد- وكانت غير ولود- فتتحرك فيها غريزة الأمومة، وتصرخ في أعماقها عواطف الأم نحو هذا الطفل، وإذا هو لعينيها الطفل الذي ولدته، لساعتها فتتشبث به، وتصرخ في الأيدى الممتدة لذبحه:- ولدي!! كبدى وقرة عينى!! {لا تقتلوه}.
وترتفع الأيدى عن مهد الوليد، ويتطلع فرعون إلى امرأته عجبا دهشا..!
ولا تمهله حتى ينطق بالأمر القاطع في هذا الوليد.. فتلقاه متوددة متعطفة، مسترحمة لنفسها- وقد حرمت الولد- أن يدع لها فرعون هذا الولد، من بين آلاف الأولاد الذين أراق دماءهم، وأزهق أرواحهم.. وإن ولدا واحدا، لا يقدم ولا يؤخر في الأمر الذي يتغياه فرعون، من قتل هؤلاء الأطفال-
فتقول لفرعون في نودد وتلطف واسترحام: {عسى أن ينفعنا أو نتخذه ولدا}! وتقع هذه الكلمات من قلب فرعون موقعا، فيجيب امرأته إلى ما طلبت، ويترك لها الوليد، تترضى به أنوثتها، وتشبع به جوع أمومتها!- وقوله تعالى: {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} جملة حالية، من فاعل فعل محذوف، دل عليه سياق الكلام.. والتقدير.. تركوا الوليد، واستثنوه من الذبح، وهم لا يشعرون بما سيأتيهم من هذا الوليد، مما كانوا يحذرون.
قوله تعالى: {وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ}.
فى الآية لفتة جانبية إلى أم موسى، وإلى ما تعانى من آلام نفسية، بعد أن ألقت بوليدها في اليم.. وفي هذه اللفتة تتصل خيوط الأحداث التي ينسج منها القدر هذا الحدث الكبير، الذي سيولد بعد قليل.. وأم موسى لها دورهام في الأحداث المقبلة.. سينكشف فيما بعد!- وفي قوله تعالى: {وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً} إشارة إلى ما ترك ضياع الولد من يدها، من فراغ كبير، في مشاعرها، وأحاسيسها.. فلقد تعطلت بذهابه عنها كل العواطف التي تغذى بها الأم طفلها، من سهر عليه، ومناغاة له، واشتغال به في نومه، ويقظته، وفي بكائه، وصمته، وفي حركته وسكونه.
إن جوارحها كلها التي ترصدها الأم لطفلها، قد أصبحت أدوات معطلة لا تعمل، وهذا بدوره قد جعل قلبها- وهو مركز العواطف والمشاعر- كيانا فارغا، لا يستقبل من الطفل ما يصل الأم به، من مشاعر وعواطف، إلا تلك العواطف السلبية.. من قلق، وأسى، ولوعة.. وهذا هو السر في هذا التعبير المعجز: {وَأَصْبَحَ فُؤادُ أُمِّ مُوسى فارِغاً}!.
وفي قوله تعالى: {أُمِّ مُوسى} إشارة إلى أن هذا الوليد، قد أصبح- في رعاية اللّه، وفي ضمان وعده بحفظه- قد أصبح ذا وجود معترف به في هذا المحيط الذي ضاعت فيه معالم الأطفال، وأهدرت فيه دماؤهم.. إنه الآن شخصية معروفة، وعلم ظاهر، يأخذ مكانه في هذه الأحداث، تماما كما يأخذ فرعون مكانه فيها.
وقوله تعالى: {إِنْ كادَتْ لَتُبْدِي بِهِ}.
أي أنها- وقد فرغ قلبها من هذا المهد الذي كان لوليدها في سويداء القلب- أو شكت أن تصرخ وتندب هذا الوليد، وتنادى في الناس: إن هذا الطفل الذي وجد ملقى في اليمّ والذي التقطه آل فرعون هو وليدها.. وإنها لتود أن تلقى عليه ولو نظرة واحدة، قبل أن يصير إلى هذا المصير المجهول!- وقوله تعالى: {لَوْلا أَنْ رَبَطْنا عَلى قَلْبِها} أي أمسكنا على قلبها ما فيه من نوازع تريد الانطلاق إلى الكشف عن وجه الوليد، وفضح أمره.
وقوله تعالى: {لِتَكُونَ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ} تعليل لهذا لربط الذي ربط اللّه سبحانه، به على قلبها، وهو أنها بعد أن تتكشف لها الأمور، ستعلم أن ما وعدها اللّه حقّ، وبهذا يتأكد إيمانها باللّه، ويقوى يقينها به وفي هذا إشارة إلى أن ما يبتلى به المؤمنون الصابرون من أرزاء ومحن، هو تثبيت لإيمانهم، وترسيخ لقواعد هذا الإيمان في قلوبهم، حيث ينكشف لهم وراء كل رزء، وعقب كل محنة، أن ذلك لم يكن إلا عن تدبير الحكيم العليم، وأنهم لو استقبلوا من أمورهم ما استدبروا، لما أقاموها إلا على هذا الوجه الذي أقامه اللّه ربّ العالمين، وبهذا ينتقلون من حال القلق، والجزع في مواجهة المصائب والمحن، إلى حال التسليم، والرضا.. وهذا هو الإيمان في أرفع مقاماته، وأعلى منازله.
قوله تعالى: {وَقالَتْ لِأُخْتِهِ قُصِّيهِ فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ}.
وبدلا من أن كانت أم موسى على وشك أن تطرق باب فرعون، وتستصرخ هناك، فإنها- وقد ربط اللّه على قلبها- قد رجعت إلى صوابها، وأخذت تنظر إلى الأمور بعين الحكمة والروية، فطلبت إلى ابنتها أن تتحسس أخباره من بعيد، وأن تتسمع ما يتحدث به المتحدثون من حاشية فرعون من أمر هذا الوليد الذي التقطوه.. ما شأنه؟ وماذا حل به؟ وهل هو حيّ أم ميت؟.. وتسللت الأخت في خفّة ولطف، تحوم حول بيت فرعون، ولا تلمّ به، وتلتقط الأخبار المتساقطة من أفواه القوم، ولا تستخبرهم عنها.
حتى لا يفتضح أمرها، وأمر الوليد معها.
وفي قوله تعالى: {فَبَصُرَتْ بِهِ عَنْ جُنُبٍ وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} إعجاز من من إعجاز النظم القرآنى، الذي تشخّص فيه الكلمة ألطف المعاني وأرقها، فإذا شعاعات هذا النور، كيان شاخص، يمسك باليد، ويصور بالعين!.
ففى كلمة {بصرت} نرى أن قلب تلك الأخت كان أمام عينيها، فلم تبحث عن أخيها، بعينيها، ولم تتسمع أخباره بأذنيها، وإنما كانت كيانا من الحذر والحيطة، بحيث تقرأ الحركات والإشارات، وتتأول الرموز والألغاز.
فالبصر هنا، بصر علم، أقرب ما يكون إلى الإلهام.. كما يقول سبحانه وتعالى:
{قالَ فَما خَطْبُكَ يا سامِرِيُّ قالَ بَصُرْتُ بِما لَمْ يَبْصُرُوا بِهِ} [94- 96 طه] وفي كلمة: {عَنْ جُنُبٍ} إشارة إلى الموقف الذي كانت تأخذه هذه الأخت من موقع الحدث.. إنها لم تكن تلقى الأمر لقاء مواجها، وإنما كانت تلقاه عرضا، كأنه من غير قصد! وفي قوله: {وَهُمْ لا يَشْعُرُونَ} تصفية هذا الموقف، المحاذر، المجانب، من أن يدخل عليه ما يدخل على موقف كثير من المحاذرين المجانيين من أخطاء، لا يلتفتون إليها، ولا يعملون حسابا لها، فتكون سببا في كشف أمرهم، وفضح سترهم..!
فانظر إلى هذه الكلمات النابضة بهذه الأسرار التي لا تنتهى.. إنها كلمات اللّه.. وكفى! قوله تعالى: {وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ مِنْ قَبْلُ فَقالَتْ هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ}؟.
وتتحرك الأحداث مرة أخرى إلى الوليد وقد أصبح في آل فرعون، تلتمس له المراضع، ويعرض عليه واحدة واحدة، فلا يقبل ثديا منهن!! وكيف؟.
لقد كان من تدبير اللّه سبحانه وتعالى أن ألهم أمه أن ترضعه من ثديها، كما يقول سبحانه: {وَأَوْحَيْنا إِلى أُمِّ مُوسى أَنْ أَرْضِعِيهِ}.
وبهذا التدبير ألف الوليد ثدى أمه، وألف اللبن الذي رضعه من هذا الثدي.. فلما عرض عليه ثدى غير الذي رضع منه، ردّه، وأبى أن يطعم من لبنه.. وهذا أمر طبيعى، فكثير من الأطفال لا يتحولون عن الثدي الذي رضعوا منه الرضعات الأولى.
وهنا يبدو تأبى الوليد على المراضع، أمرا جاريا على المألوف.. وهنا أيضا تلتمس له المراضع، في صور وأشكال شتّى.. إنه ابن فرعون.. وإن الدولة كلّها في خدمته.. فيكثر لذلك البحث عن المرضع، التي يستجيب لها ويقبل عليها، وتعمل أجهزة الدولة كلها لتحقيق هذا الأمر. وعندئذ لا ترى أخت موسى بأسا من أن تعرض ما عندها من بضاعة لعلها تروق لأعين القوم، ولعلها تحقق لهم ما يريدون.. {هَلْ أَدُلُّكُمْ عَلى أَهْلِ بَيْتٍ يَكْفُلُونَهُ لَكُمْ وَهُمْ لَهُ ناصِحُونَ} ولا يتردد القوم في قبول هذا العرض.. ويتم اللقاء بين موسى وأمه، ويعرض عليه ثديها، فيقبله.. وتصبح الأم في حاشيته فرعون، مرضعا لهذا الوليد.
وفي قوله تعالى: {وَحَرَّمْنا عَلَيْهِ الْمَراضِعَ} إشارة إلى امتناع الطفل عن الرضاعة من مرضع غير أمه.. وفي التعبير عن هذا بالتحريم، تأكيد لهذا الامتناع، كما يمتنع المؤمن عن تناول ما حرم اللّه.
وفي قوله تعالى: {مِنْ قَبْلُ} إشارة إلى هذا التدبير الذي كان من إلهام اللّه سبحانه وتعالى أمّ موسى، بإرضاع وليدها.. فهو بهذه الرضاعة قد عاف كل لبن غير لبن أمه.
قوله تعالى: {فَرَدَدْناهُ إِلى أُمِّهِ كَيْ تَقَرَّ عَيْنُها وَلا تَحْزَنَ وَلِتَعْلَمَ أَنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ}.
وتنتهى الأحداث بهذا إلى موقف من مواقف الحدث الكبير.. فيعود الطفل إلى أمه، ويتحقق ما وعدها اللّه سبحانه وتعالى به قوله: {إِنَّا رَادُّوهُ إِلَيْكِ} وبهذا تعلم أن وعد اللّه حق.. وكثير من الناس لا يعلمون هذا، ولا يقدرون اللّه حق قدره.
قوله تعالى: {وَلَمَّا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَاسْتَوى آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً وَكَذلِكَ نَجْزِي الْمُحْسِنِينَ}.
وهذا تحقيق للجانب الآخر من وعد اللّه، وهوقوله تعالى: {وَجاعِلُوهُ مِنَ الْمُرْسَلِينَ} وإذا كان هذا الموعد لم يكن قد تحقق، والأحداث لا تزال جارية إلى غاياتها، فإنه قد تحق، بعد أن بلغت الأحداث الغاية المنطقة إليها، كما يعلم ذلك من عاصروا نضج الأحداث، كما علمها من جاء بعدهم.
وفي قوله تعالى: {وَاسْتَوى} إشارة إلى الحال التي كان عليها موسى وهو يتلقى رسالة ربه. وهو أنه لم يتناول هذه الرسالة إلا بعد أن صار رجلا كاملا، وذلك في حدود الأربعين سنة من عمره، وحيث يستكمل فيها الإنسان كل أسباب الرجولة، في جسده، وفي عقله، كما يقول تعالى: {حَتَّى إِذا بَلَغَ أَشُدَّهُ وَبَلَغَ أَرْبَعِينَ سَنَةً} [15: الأحقاف].
وقوله تعالى: {آتَيْناهُ حُكْماً وَعِلْماً} والحكم: السلطان، سواء أكان روحيّا أو ماديّا، وقد كان لموسى، السلطان الروحيّ والماديّ معا على بني إسرائيل.. والعلم هو ما مع هذا السلطان من علم من اللّه سبحانه وتعالى، فبهذا العلم الذي قام إلى جانب هذا السلطان، كمل الأمر، وتمت النعمة.